العيني

248

عمدة القاري

لازم والحجة غير قائمة عليه . وقال القاضي : قد اختلف العلماء فيمن أسلم في دار الحرب أو أطراف بلاد الاسلام حيث لا يجد من يستعلم الشرائع ، ولا علم أن الله تعالى فرض شيئاً من الشرائع ، ثم علم بعد ذلك ، هل يلزمه قضاء ما مر عليه من صيام وصلاة لم يعملها ؟ فذهب مالك والشافعي في آخرين إلى إلزامه ، وأنه قادر على الاستعلام والبحث والخروج إلى ذلك ، وذهب أبو حنيفة أن ذلك يلزمه إن أمكنه أن يستعلم ، فلم يستعلم وفرط ، وإن كان لا يحضره من يستعلمه فلا شيء عليه . قال : وكيف يكون ذلك فرض على من لم يفرضه . الخامس : قال الإمام المازري : بنوا على مسألة الفسخ مسألة الوكيل إذا تصرف بعد العزل ولم يعلم ، فعلى القول بأن حكم النسخ لازم حين الورود لا تمضي أفعاله ، وعلى الثاني : هي ماضية . قال القاضي : ولم يختلف المذهب عندنا فيمن اعتق ، ولم يعلم بعتقه أن حكمه حكم الأحرار فيما بينه وبين الناس ، وأما فيما بينه وبين الله تعالى فجائز ، ولم يختلفوا في المعتقة أنها لا تعيد ما صلت بغير ستر ، وإنما اختلفوا فيمن هو فيها بناء على هذه المسألة ، وفعل الأنصاري في الصلاة كالأمة تعلم بالعتق في أثناء صلاتها . قلت : ومذهب الشافعي فيمن أعتقت ولم تعلم حتى فرغت من الصلاة ، وكانت قادرة على الستر ، هل تجب الإعادة عليها ؟ فيه قولان للشافعي : كمن صلى بالنجاسة ناسياً عنده ، وإن أعتقت في أثنائها وعلمت بالعتق ، فإن عجزت مضت في صلاتها ، وإن كانت قادرة على الستر وسترت قريباً صح ، وإن مضت مدة في التكشف قطعت واستأنفت على الأصح من المذهب . السادس : فيه دليل على قبول خبر الواحد مع غيره من الأحاديث ، وعادة الصحابة رضي الله عنهم ، قبول ذلك ، وهو مجمع عليه من السلف معلوم بالتواتر من عادة النبي صلى الله عليه وسلم في توجيهه ولاته ورسله آحاداً إلى الآفاق ليعلموا الناس دينهم ، ويبلغوهم سنة رسولهم . السابع : فيه دليل على جواز الاجتهاد في القبلة ومراعاة السمت ليلهم إلى جهة الكعبة لأول وهلة في الصلاة قبل قطعهم على موضع عينها . الثامن : فيه جواز الصلاة الواحدة إلى جهتين ، وهو الصحيح عند أصحاب الشافعي ، فمن صلى إلى جهة باجتهاد ، ثم تغير اجتهاده في أثنائها فيستدير إلى الجهة الأخرى حتى لو تغير اجتهاده أربع مرات في صلاة واحدة ، فتصح صلاتهم على الأصح في مذهب الشافعي . التاسع : فيه جواز الاجتهاد بحضرة النبي ، عليه السلام ، وفيه خلاف ، لأنه كان يمكنهم أن يقطعوا الصلاة وأن يبنوا ، فرجحوا البناء وهو محل الاجتهاد . العاشر : فيه وجوب الصلاة إلى القبلة والإجماع على أنها الكعبة ، شرفها الله تعالى . الحادي عشر : يحتج به على أن من صلى بالاجتهاد إلى غير القبلة ، ثم تبين له الخطأ لا يلزم الإعادة ، لأنه فعل ما عليه في ظنه مع مخالفة الحكم ونفس الأمر ، كما أن أهل قباء فعلوا ما وجب عليهم عند ظنهم بقباء الأمر ، فلم يؤمروا بالإعادة . الثاني عشر : فيه استحباب إكرام القادم أقاربه بالنزول عليهم دون غيرهم . الثالث عشر : أن محبة الإنسان الانتقال من طاعة إلى أكمل منها ليس قادحاً في الرضى ، بل هو محبوب . الرابع عشر : فيه تمني تغيير نفس الأحكام إذا ظهرت المصلحة . الخامس عشر : فيه الدلالة على شرف النبي : عليه الصلاة والسلام ، وكرامته على ربه ، حيث يعطي له ما يحبه من غير سؤال . السادس عشر : فيه بيان ما كان من الصحابة في الحرص على دينهم ، والشفقة على إخوانهم . قال زُهَيْرٌ حدّثنا أُبُو إسْحَاق عنِ البَرَاءِ في حديثهِ هذا أنه ماتَ علَى القِبْلَةِ قَبْلَ أن تُحَوَّلَ رِجالٌ وَقُتِلُوا فَلمْ نَدْرِ ما نَقُولُ فِيهِمْ فأنْزَلَ اللَّهُ تعالى * ( وما كان اللَّهُ لِيُضيِعَ إيمانَكُمْ ) * . قال الكرماني : يحتمل ان البخاري ذكره على سبيل التعليق منه ، ويحتمل أن يكون داخلاً تحت حديثه السابق ، سيما لو جوزنا العطف بتقدير حرف العطف ، كما هو مذهب بعض النحاة . وقال بعضهم : ووهم من قال : إنه معلق ، وقد ساقه المصنف في التفسير مع جملة الحديث عن أبي نعيم عن زهير سياقاً واحداً . قلت : أما الكرماني فإنه جوز أن يكون هذا مسنداً بتقدير حرف العطف ، وحرف العطف لا يجوز حذفه في الاختيار وهو المذهب الصحيح ، وأما القائل المذكور فإنه جزم بأنه مسند ههنا ، لأن قوله : ووهم من قال : إنه معلق ، يدل على هذا ، بل هذا وهم لأن صورته صورة التعليق بلا شك ، وليس ما بينه وبين ما قبله ما يشركه إياه ، ولا يلزم من سوقه في التفسير جملة واحدة سياقاً واحداً أن يكون هذا موصولاً غير معلق ، وهذا ظاهر لا يخفى . وما رواه زهير بن معاوية هذا في حديث البراء ، رضي الله تعالى عنه ، أخرجه أبو داود والترمذي من حديث ابن عباس ، رضي